حسن بن موسى القادري
398
شرح حكم الشيخ الأكبر
159 - من شاهد مظاهر الحق ، وصورها من ذاته ، فقد كشف له ما انطبع في مرآته . وإلى هذا القسم أشار الشيخ قدّس سره بقوله : ( من شاهد مظاهر الحق ، وصورها من ذاته ، فقد كشف له ما انطبع في مرآته ) ، والمراد بالصور ما يحس من المظاهر ، وهي ذو الصور من الحقائق ، ومشاهدتها من ذاته أن يرى العارف صور مظاهر الحق مترسمة فيه من العرش والكرسي والأفلاك والأنجم والأراضي وما فيها من المولدات الثلاث وغير ذلك من الفضول ، وأنواع المياه والطبائع ، وجميع ما يدخل تحت حيطة الإمكان فما هو في العالم الكبير بالكلي فهو فيك بالجزئي معنى وصورة ، وتفصيله يؤدي إلى التطويل الموجب للملال . فمن شاهد ما ذكر من ذاته فقد كشف اللّه له ما انطبع وخلق في مرآته أي : في مرآة هي نفسه أو قلبه ، وحقا فإمّا أن تكون ذات العارف مرآة للعالم كله المرآة للحق تعالى فيرى في ذاته ما يرى فيه ، وبواسطته يرى الحق ذاته ، وإمّا أن تكون الذات المترسم فيها العالم مرآة له تعالى فيرى العارف حقا الحق في ذاته بجميع ما يراه به في العالم وهو أعلى من الأول وأعلى منه أن يخرج العارف العالم ونفسه من البين ويرى واحدا أحد في المعنى وفي العين ، فيكون حقا الحق تعالى شاهدا كما هو مشهود حامدا كما هو محمود ، وعابدا كما هو معبود ، وذلك لعموم الوجود وانبساطه على كل شيء ، فإن نفس الرحمن وهو الوجود المطلق من حيث عمومه وانبساطه سارية في الممكنات سريان الأرواح في الأشباح ، وجارية في كل ذات وعين جريان الماء في مجاريه ، فالماء يتلون بلون مجاريه ، والنفس الرحماني ينصبغ بصبغ مظاهره ، والماء متحد لشدة الاتّصال وكثرة بحكم المجاري والشريعة حكمت باختلاف أحكام جريانه ، والمبدأ غيب والمدد غير منقطع ، وكذلك النفس الرحماني لا ينقطع مدده ولا يدرك مبدأه ويتعين بتعينات كل شيء فيتعدد ويتبدد ، ويكون لكل تعين حكم غير حكم التعين الآخر ، فالعارف يرى هذه الكثرة في عين تلك الوحدة وبالعكس ، فيرى الكمال في كل شيء ذاتا وصفاتا وأفعالا ؛ لأن الكامل الحقيقي سار في كلّ شيء ذاتا وصفاتا وأفعالا للتلازم الثابت بينها فكل شيء في الحقيقة ليس كمثله شيء كما أن لحق ليس كمثله شيء .